محمد بن محمد ابو شهبة

74

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وطالبهم بالتخلي عمّا هم منغمسون في حمأته من كفر وجهل ومنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد ، ولما وفّق الرسول في أداء مهمته ، ولعاد ذلك بالنقض على الشريعة الجديدة . لذلك اقتضت حكمة اللّه سبحانه - وللّه الحكمة البالغة - أن يتدرج معهم في انتزاع هذه العقائد والمنكرات ، فينهاهم عن عبادة غير اللّه ، فإذا ما أقلعوا عنه ، أخذ في النهي عن منكر غيره . . وهكذا . وكذلك كان القرآن يتدرج معهم في انتزاع المنكر الواحد ، كما حدث في تحريم الخمر ، فقد نزل فيها أول ما نزل : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [ البقرة : 219 ] فشربها قوم ، وتركها آخرون ، ثم إن بعض المسلمين صنع طعاما ، ودعا أصحابه ؛ فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم ، فقرأ « قل يا أيها الكافرون ، أعبد ما تعبدون » فأنزل اللّه - سبحانه - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] فكانوا يتركونها عند الصلوات ، وفي الأوقات القريبة منها ؛ حتى لا يقعوا في مثل هذا الخلط . وبذلك صار من السهل تحريمها تحريما باتّا قاطعا ؛ فقد صنع بعض المسلمين طعاما ، فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برءوسهم فتقاولوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر ، فقال الفاروق « عمر » : « اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا » فحرّمها اللّه تحريما باتّا بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إلى قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ سورة المائدة : 90 - 91 ] فقال « عمر » : انتهينا « 1 » فمن ثم . . اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا . 2 - التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة ، والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة ، فأمرهم أولا : بالإيمان باللّه وصفاته ، وعبادته

--> ( 1 ) انظر تفاسير : الكشاف ، وابن كثير ، والقرطبي ، والآلوسي في آيات الخمر .